محمد جسیم الدین
الباحث فی قسم اللغة العربية
بجامعۃ دلھی،دلھی
الهند واحدة من البقاع المتسعة التي وصلها الإسلام، سواء عبر الفتوحات الأولى، أو العلاقات التجارية العديدة، أو صراعات دول الجوار، فقد فتحها محمد بن القاسم في ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق عام 92 هـ 712 ميلادية، وسيطر على قطاع كبير من الهند، وما لبثت الحملات الإسلامية أن توالت فدخلت غجرات، وملتان، وكشمير تحت النفوذ الإسلامي في زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.
لكن هذه الفتوحات توقفت بمجيء الخليفة المهدي، إذ أن النزاع اشتد بين القبائل العربية التي هاجرت إلى هذه البقاع في المائة الأولى من الإسلام، واقتصر انتشار الإسلام على العلاقات التجارية التي نشطت مع الهند، والتي تعود جذورها إلى مئات السنين السابقة على الفتح، وربما كان هذا التغلغل المعرفي بالإسلام وأهله أهم العوامل التي ساعدت فيما بعد محمود الغزنوي على هزيمة شتى الإمارات الهندوسية، وفرض سيطرته على شبه القارة الهندية بعد سبع عشرة غزوة تمت في عهده.
ومنذ ذلك التاريخ استقرت الثقافة الإسلامية بشكل رسمي في الأرجاء الهندية، وراح الهنود بعد تعلم اللغة، والفقه، والحديث يشاركون فيما عرف بالعلوم الإسلامية،وليس ثمة شك أن اللغة العربية موضع احترام وتقدير لدى مسلمي الهند، كما أنهم تأثروا تأثرًا بالغًا بأنماط الحياة العربية، فهم يشكلون وحدة حضارية لها شخصية مستقلة تستمد مكوناتها من التراث العربي الأصيل ومن الحضارة الهندية العتيقة، ولهم نشاط ملموس في جميع مجالات الحياة الهندية، كما لهم إسهامات جمة في إثراء التراث العربي الإسلامي. وبدأ استخدام اللغة العربية في الهند منذ الأيام الأولى للفتح الإسلامي للسند وذلك في عام 89هـ/708م، وكان أول نقش عثر عليه في الهند هو نقش المسجد الجامع في بنبهور بالسند والمؤرخ سنة 107هـ/727م، وهو أقدم النماذج التي استخدم فيها الخط العربي للكتابة على الأحجار في العصور الإسلامية.
وتعد الهند اليوم من المراكز الرئيسة للثقافة الإسلامية في العالم، إذ تضم مئات المعاهد والمدارس، التي تقوم بتعليم اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية وتراثها، هذا إلى جانب الجامعات الحكومية والمؤسسات الرسمية العديدة التي تعني بالبحوث الإسلامية في شتى جوانبها.
يرجع تاريخ اللغة العربية إلى أكثر من خمسة عشر قرنًا، إذ بدأت خطواتها إلى العالمية منذ كانت رابضة في شبه الجزيرة العربية في العصر الجاهلي إلى أن ظهر الإسلام، فانطلق بها الدعاة والفاتحون إلى شتى بلاد العالم، وظلت منذ ذلك الوقت اللغة الأولى بين لغات المسلمين، فهي ليست لغة رسمية وأدبية للعرب فحسب، وإنما هي لغة دينية وثقافية للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وأما رغبة المسلمين من غير العرب في تعلم العربية، فإنما كان باعثه قراءة القرآن الكريم قراءة جيدة، وفهم معانيه بصورة صائبة، حيث إنها قد نشرت في كل مكان رحلت إليه أنوار الإسلام وأشعة القرآن الكريم، الذي هو بدوره حافظ اللغة العربية ولولاه لتوارت لغة العرب نفسها في قبور الأجداد. وكان للحديث الشريف أيضًا دور كبير في نشر اللغة العربية، حيث دونت أقوال وأفعال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أفصح الفصحاء، وهي اللغة العربية التي حملت العلوم والفنون كلها الدينية والتطبيقية وفيها جل كتب التراث الإسلامي، وفيها معظم المعارف والعلوم، وبالعربية قيل أعذب الشعر وأجمله، وبها كتبت أبلغ الرسائل وأرق المكاتبات وفيها سجل أدب رفيع المستوى، وكانت لغة الحضارة العالمية لقرون عديدة فهي خازنة ثقافة العرب وحكمة الهند وحضارة الفرس وفلسفة اليونان.
ونظرًا لهذه الأهمية اعتنى المسلمون في جميع أقطار العالم باللغة العربية عناية فائقة، وبذلوا جهودًا مضنية في تعلمها وتدريسها، وهكذا بدأت اللغة العربية تكتسب صبغة عالمية منذ القرون الأولى. بيد أن علاقة العرب بالهنود قديمة قدم التاريخ، ولها جذور حضارية عريقة ترجع إلى ما قبل الإسلام.
ويرجع فضل انتشار الإسلام في شبه القارة الهندية إلى دعاة العرب الذين تشبعوا بروح الإسلام السمحة، فأناروا الطريق لنشر الدعوة الإسلامية في ربوعها عقب ظهورها في الجزيرة العربية مباشرة، وبذلوا الجهود في سبيل نشر دين الله الحنيف بطريق الموعظة والإرشاد والقدوة الحسنة، كذا أشرقت الهند بنور الإسلام، وهبت عليها نفحاته منذ فتحها القائد الشاب محمد بن القاسم عندما وجهه عمه الحجاج بن يوسف الثقفي إلى غزوها سنة 92هـ/712 م، وقد نجحت هذه الغزوة أيما نجاح، حيث آل جزء كبير من الهند إلى الحكومة الإسلامية.ولما كانت اللغة العربية لغة القرآن ولسان الدعوة الإسلامية، وكذلك لسان المنتصر في ذلك الزمان، كان من الطبيعي أن تنتشر مع انتشار الإسلام وتعاليمه الراقية في المناطق المفتوحة.
وكما انتشر الإسلام انتشرت اللغة العربية على نطاق واسع بين سكان هذه البلاد، حيث تروي كتب التاريخ أن الهنود الذين أسلموا في أقاليم السند كانوا يتحدثون إلى العرب في لغتهم وكانوا يرتدون زيهم. ولا شك أن العصر العربي في السند كان بمثابة الفجر الأول الذي يؤذن بصبح مشرق.
وانتشار اللغة في الهند باتساع دائرة الحضارة الإسلامية وتطورها وتضاعف الرغبة في طلب العلم، فتسابق طلبة العلم من المسلمين إلى تعلم العربية، وبدأت تنتشر هذه اللغة في أوساط المسلمين لغة دينية وثقافية، ثم اتسع نطاقها بمرور الزمن إلى أن بدأت الحركة العلمية على أسس متينة. بيد أنه قد منع اللغة العربية من أن تكون لغة الحكومة والبلاط الحكومي في الهند، ومن أن تكون لغة التخاطب أو التفاهم.
إن الملوك الذين حكموا الهند لم يهتموا بنشر الإسلام ولغته، وإنما كان جل همهم في توطيد الملك وإنفاق الأموال في الترف والبذخ ومتعة الحياة الدنيا الفانية. أما الذي نراه اليوم من اسم الإسلام في الهند، فإنما يرجع فضله إلى العلماء والمشايخ الذين هجروا أوطانهم في البلاد الإسلامية ودخلوا الهند دعاة مرشدين، وخالطوا أهلها وعاشروهم وعلموهم مبادئ الإسلام وآدابه، فتأثر سكان البلاد بأخلاقهم وسجاياهم العالية واختاروا الإسلام دينًا لهم عن طيب نفس وانشراح صدر.
حتی أن الهنود كانوا أقرب التابعين للعرب، سواء في الفنون أو العلوم، وأن ما أنجزوه، رغم أهميته، ليس إضافات فكرية يمكنها أن تغير من مسار هذه العلوم أو تقودها للأمام، لكنها إعادة إنتاج بشكل أو آخر، ولا يعني المحور الذي ارتكز عليه الكاتب في عمله، وهو سرد تاريخي تفصيلي للمنجز الهندي في شتى العلوم والآثار المكتوبة باللغة العربية فقط، وهو ما يجعلنا نتشكك في قيمة مثل هذه الكتب في خارج سياق التأريخ والتصنيف.
No comments:
Post a Comment